Advertisement
القائـد المنصور بن عامر رجل الأندلس المنتصر دائمًا طباعة ارسال لصديق

 

* مقدمة:

 

مفكرة الإسلام : سيظل تاريخ الأندلس معينًا لا ينضب وواديًا لا يجدب من كثرة ما فيه من الدروس والعبر والأخبار الطوال ودولة الإسلام في الأندلس لهي أطول دول الإسلام مدة فقد استمرت طيلة ثمانية قرون خلالها برز العديد من الرجال والأبطال والقادة الذين كانوا وقتها ملء السمع والبصر وظلت أخبارهم تتردد في جنبات الأندلس لعصور متعاقبة ولكنهم وللأسف طوت أخبارهم وإنجازاتهم غير المسبوقة في خدمة الإسلام من ذاكرة المسلمين الآن ووجب علينا أن ننفض عنها الغبار عن تاريخ وأخبارهم المسلمون الآن.

 

* من هو المنصور:

 

هو"محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي عمار المعافري" جده من الداخلين الفاتحين الأوائل وكان من الأبطال الشجعان فنزلت أسرة بني عامر بالجيزة الخضراء وأسرة بني عامر من أعرق الأصول العربية، ونشأ محمد في بيت علم ودين فأبوه عبد الله كان من أهل العلم والتقي عالماً بالحديث والشريعة وتأثر محمد بذالك فطلب العلم من صغره وأنتقل إلي قرطبة وهو حدث ودرس علي علمائها الكبار الأدب والشريعة ومنهم أبو علي القالي وابن القوطيه وأبو بكر بن معاوية القريشي، أما عن صفاته فقد كان ذكياً طموحاً قوي العزم متعدد المواهب سخي اليد كريم النفس ولكن أبرز ما يميزه حتى صار قدوه هائلة في هذا الباب هو همته العالية التي تناطح السحاب طولاً وتملأ الأرض عرضاً فلم يعلم من قادة المسلمين ونبلائهم من هو أشد منة همة وطموحاً إلا ما كان من رجال القرن الأول رضي الله عنهم وأرضاهم

 

* سلم النجاح:

 

* المتأمل لترقي المنصور ابن عامر في سلك القيادة والمناصب يرى عجب العجاب فالمنصور أول ما قام به وهو شاب صغير أن افتتح مكتباً بجوار قصر الخلافة لكتابة الشكاوى المرفوعة للخليفة الأموي وذلك للإنفاق على تعليمه بقرطبة وهذا العمل الصغير مكنة من الاتصال بأهل القصر من الخدم والحراس وغيرهم والذي نقلوا أخباره إلي سادة القصر خاصة السيدة [صبح] أم ولي العهد و[هشام المؤيد] فعهدت إلية بعدة وظائف كتابية، وهذا مهد إلية السبيل لئن يتصل بالخليفة الحكم بن عبد الرحمن الذي أسند إلية مهمة الإشراف على أملاك ولي العهد [هشام] ثم إدارة الخزانة العامة ودار المواريث وغيرها من المناصب العامة لما رأى من عزمه وطموحه وتفانيه في العمل، وكان عمر المنصور وقتها لم يتجاوز السابعة والعشرين فلقب 'بفتي الدولة' وذلك بفضل مواهبه وإمكاناته الباهرة .

 

* ظل المنصور مضطلعاً بالمناصب الهامة والأعمال الجسيمة في الدولة وهو محط أنظار الجميع لرفيع خلاله وجميل صفاته والقلوب حوله مؤتلفة ولكنة قام بعمل كان هو الأعظم في هذه المرحلة من حياته حيث استطاع بقوة عزمه وسرعة تصرفه أن يقضي علي مؤامرة دبرت من جانب بعض الصقالبة الموالي بالتعاون مع بعض الأمويين؛ وكانت تهدف تلك المؤامرة إلى قتل الخليفة الجديد [هشام المؤيد] وتعيين عمه 'المغيرة' وذلك سنة 366هـ فحفظ بذلك دولة الخلافة من السقوط في دائرة الصراعات الداخلية التي عادة تعصف بأساس أي ملك ثابت مهما كانت قوته وثباته .

 

   * رجل الأندلس القوى:

 

* ارتفعت مكانة المنصور ابن عامر في الأندلس بعد دوره الرائع في إنقاذ الخلافة من هوة الصراعات والخلافات الداخلية فقام الخليفة 'هشام المؤيد' بتعينه وزيراً للدولة الأندلسية وأصبحت مسئوليات المنصور بن أبى عامر أعظم مما سبق بكثير وهذا جعله يفكر ملياً في وضع الأندلس ويحاول خدمة دولة الإسلام بها وذلك بعد أن أتضح له عدة أمور منها:-

 

أولاً:- ضعف شخصية الخليفة الجديد 'هشام المؤيد' وعدم صلاحيته لهذا المنصب الخطير خاصة أنه صغير السن مشتغل باللهو واللعب مع أقرانه.

 

ثانياً:- زيادة الأخطار المحدقة بالمسلمين والآتية من ناحية الشمال حيث أسبانيا النصرانية خاصة بعد أن تنفسوا الصعداء بموت الخليفة القوى عبد الرحمن الناصر الذي خضد شوكتهم سنوات طويلة .

 

ثالثاً:- ظهور بوادر لانقسامات داخلية خطيرة في دولة الإسلام بالأندلس؛ وذلك لزيادة العصبيات القبلية وكثرة الطامعين من ولاة الأقاليم المترامية في الانعزال والاستقلال عن جسد الدولة الأم .

 

رابعاً:- فساد بعض رجال الحكم والوزارة أمثال 'جعفر المصحفي' وولده محمد الذي كان يتولى رئاسة الشرطة وفي عهدهما انتشر الفساد والفسق وأختل الأمن واضطربت الأمور.

 

خامساً:- زيادة نفوذ الصقالبة الموالي وهم في الأصل عبيد عند الخليفة 'الناصر' اشتراهم واصطفاهم في الحراسة والجند والجيش وترقوا حتى صاروا قوة كبيرة يخشى بأسها وقد زاد نفوذها داخل قصر الخلافة حتى أنهم هموا بالانقلاب علي الخليفة 'المؤيد' عدة مرات.

 

كل هذه الأسباب دفعت 'المنصور أبي عامر' لأن يمعن التفكير والترتيب في كيفية مواجهة كل هذه الأخطار المحدقة وفي النهاية قرر أن يتحرك وبسرعة لمواجهة هذه الظروف العسيرة وأن يأخذ زمام المبادرة بنفسه فقام بالخطوات الآتية:

 

[1] قام بحجز الخليفة الصوري الصبي 'هشام المؤيد' بقصره واستقل هو بتدبير الأمور وتولي لقب الحجابة- تلقب بالحاجب المنصور- وهذه الخطوة وإن كانت سبب نقمة كثير من الناس على المنصور إلا أنها في واقع الأمر كانت أهم خطوة لأن غياب القائد الموجه والرأس المدبر يجعل كل الجهود تذهب هباءًا منثورًا وسنرى أن المنصور لم يستخدم سلطانه إلا لخدمة الإسلام.

[2] بعد أن أصبح المنصور هو الحاكم الحقيقي للأندلس قام بعزل الوزير 'جعفر المصحفي' وولده 'محمد' وحاسبهما على أموالهما الطائلة من أين جاءت وكيف تضخمت؟ وأسفر التحقيق عن كثير من الانحرافات لدى الوزير 'المصحفي' الذي زج بالسجن وقضى فيه نحبه وانتهى عصر الفساد معه.

[3] أما الصقالبة الأشداء فقد شعروا بأن المنصور يعمل على سحق نفوذهم فقرروا القيام بمبادرة وانقلاب سريع واجتمعوا على قائد لهم اسمه 'درسي' ولكن 'منصور' اليقظ كان أسرع منهم فقبض على قادة التمرد وحاكمهم بشدة وفرق شملهم ووزعهم على الأقاليم حتى لا يعودوا للتجمع والتذمر.

[4] أما الطامعين من رجال الدولة وولاة الأقاليم البعيدة والعصبيات العربية القديمة والموروثة منذ أيام الفتح الأول إضافة إلى التهديد الخارجي المتمثل في أسبانيا النصرانية المتربصة والتي قامت بالفعل بالهجوم على ديار المسلمين وذلك في شهر رجب 366هـ كلا الخطرين رأى 'المنصور' أن يواجههم بأفضل الأساليب على الإطلاق وهو شرارة الحملات الجهادية وبذلك يرد عادية الصليبيين وفي نفس الوقت يشغل هؤلاء الطامعين من الولاة بقضية إسلامية ويوجه طاقتهم لحرب أعداء الإسلام وكانت هذه الحملات هي أنجح الحملات الجهادية التي قام بها مسلمو الأندلس ضد أسبانيا الصليبية طوال عمر دولة الإسلام في الأندلس على طول عمرها 'ثمانية قرون'.

 

* المنتصر دائمًا:

* منذ أن أطلق 'المنصور بن عامر' شرارة الحملات الجهادية ضد أسبانيا سرت روح جديدة في قلوب المسلمين واشتعلت الحمية في قلوبهم فتقاطر المجاهدون المتطوعين على الأندلس من كل مكان، وخاض 'المنصور' أكثر من خمسين معركة ضد الصليبيين انتصر فيها جميعًا ولم تنكس له راية أبدًا حتى سرى الاعتقاد بين كل الناس مسلمهم وكافرهم بأن 'المنصور' مؤيد من السماء، والحق أن 'المنصور' قد اعتمد في سياسته الجهادية على أسلوب الغزوات المستمرة المتعاقبة والذي كان يرمي من خلاله إلى غاية بعيدة المدى لم يفكر فيها أحد من قبله من أمراء الأندلس أو لم يقدروا عليها وهي سحق الممالك الأسبانية الصليبية سحقًا تامًا وأن يفكك عراها التي بدأت في الالتحام والترابط وبالتالي يجعل أسبانيا النصرانية كلها أرض مسلمة وكانت معظم حروب المسلمين من قبل 'المنصور' للدفاع ورد عادية النصارى فلما جاء عهد 'المنصور' كان هو البادئ بالغزو دائمًا ولم يقبل من النصارى قط صلحًا أو مهادنة ولم يقنع إلا بالنصر الكامل لذلك فهو أحق الناس بوصف 'المنتصر دائمًا' وبالقطع بعد 'خالد بن الوليد' رضي الله عنه وجيل الصحابة الأفذاذ، ومن أشهر معارك 'المنصور' ضد الصليبيين ما يلي:

 

* معركة شنت منكس:

 وكانت سنة 371هـ وفيها واجه 'المنصور' تحالفا صليبيًا مكونًا من أقوى أمراء الأسبان وهم 'راميرو الثالث' أمير 'ليون' وجرسيا فرنانديز' أمير 'قشتالة' و'سانشو' أمير 'نافار' وانتصر المسلمون على النصارى الذين قتل منهم عشرات الألوف وتفككت عرى التحالف الصليبي الوليد.

 

* معركة برشلونة:

وهي من أعظم ثغور أسبانيا وقد فتحها المسلمون الأوائل مع بداية الفتح الأول ولتثبت مع المسلمين قرنًا من الزمان ولكنها سقطت سنة 185هـ وأصبحت شوكة في جسد الأمة المسلمة بالأندلس حتى جاء 'المنصور' في سنة 375هـ واقتحمها بجيوشه الجرارة بعد معركة طاحنة مع أهل المدينة الذين قتل معظمهم ودحر المسلمون المدينة تمامًا وأسر أمير 'برشلونة' وظل في السجن حتى مات ودمر 'المنصور' قوى النصارى تمامًا في هذا الطرف النائي من شبه الجزيرة الأسبانية.

 

* معركة جليقية:

وهي أعظم المعارك على الإطلاق وتقع 'جليقية' في أقصى غرب أسبانيا وتوجد بها مدينة 'شنت ياقب' الدينية كعبة أسبانيا النصرانية ومزارها المقدس ورمز زعامتها الروحية وبها قبر القديس 'يعقوب' بزعمهم ويقام له سنويًا احتفالاً ضخمًا مثل الموالد المعروفة يفد إليه النصارى من كل حدب وصوب من داخل أسبانيا، وقد قصدها بجيشه الجرار لأمرين أولهما: أنها كانت ملجأ لملوك وأمراء 'ليون' الخارجين على طاعة 'المنصور'، ثانيهما: ضرب إسبانيا النصرانية في صميم معقلها القاصي وصميم زعامتها الروحية وبالفعل بعد معركة طاحنة ورحلة شاقة عبر مفاوز الجبال الوعرة وفي 2شعبان 387هـ اقتحم المسلمون المدينة وخربوها تمامًا مع عدم المساس بقبر 'يعقوب' القديس وأخذ 'المنصور' نواقيس الكنيسة العظمى وحملها الأسرى على كواهلهم حتى قرطبة وعلقت رؤوسًا للثريات الكبرى لمسجد قرطبة.

 

* معركة صخرة جربيرة:

وكانت في 24 شعبان 390هـ وفيها تحالفت كل قوى النصرانية من أجل الصمود في وجه المسلمين والتقى الفريقان عند مكان شديد الوعورة يسمى 'بصخرة جربيرة' وكاد 'المنصور' أن يهزم لأول مرة في معاركه ولكن بسالة المسلمين وشدة بأسهم في القتال أنهت المعركة بهزيمة مروعة للتحالف النصراني وقتل معظم قادة الصليبيين وواصل 'المنصور' سيره حتى فتح مدينة 'برغش' عاصمة 'قشتالة'.

 

* وفاة المنصور:

     إن من عاش على شيء وداوم عليه فلابد أن يموت عليه و'المنصور' قضى حياته كلها في الجهاد في سبيل الله فلابد أن يموت مجاهدًا وقد كانت تلك أسمى أمانيه حتى أنه كان يحمل أكفانه حيثما سار إلى غزوة وهي أكفان صنعت من غزل بنانه واشتريت من خالص ماله الموروث وقد استجاب الله دعاءه فوافته المنية في 27 رمضان سنة 392هـ بمدينة 'سالم' ودفن بها بعد أن دفن معه غبار كل معاركه التي خاضها في سبيل الله وكان يحتفظ بها طوال رحلته الجهادية الطويلة لأعدائها وتحقيقه أمنها ورخائها ولم يستخدم قط سلطانه إلا لخير الإسلام وخير الأمة، وقد كتب هذان البيتان من الشعر على شاهد قبره :

آثـاره تنبيـك عن أخباره              حـتى كأنـك بالعيـان تــراه

تالله لا يأتي الزمان بمثله              أبدًا ولا يحمي الثغور سواه

 

كتبه : شريف عبد العزيز

هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته

 
< السابق   التالى >

عدد زوار الموقع

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter